‘عندما أبكاني نشيد وطن ليس وطني‘ - بقلم: منير قبطي
ليست الدموع ضيفًا مألوفًا في حياتي. لا أتذكر أنني بكيت يوم وفاة أبي، ولا يوم وفاة أمي، رغم أنني شعرت يومها بأن جزءًا من عالمي قد انهار. كنت أتألم بصمت وأحتفظ بمشاعري في أعماقي. وحتى عندما فقدت في طفولتي
صورة شخصية
صديقًا كان بالنسبة لي أخًا لم تلده أمي، لم أبكِ. وقفت أمام موته عاجزًا عن التصديق، وكأن العقل رفض الاعتراف بما حدث.
ومع ذلك، لم يغب عن ذاكرتي يومًا. كثيرًا ما أتساءل كيف كانت ستسير حياته لو منحه الله سنوات أخرى. هل كان سيبقى في الناصرة؟ هل كنا سنلتقي اليوم ونتحدث عن أيام الطفولة وأحلامها؟ مرت عقود طويلة، لكن بعض الغياب لا يشيخ.
لهذا كنت أعتقد أنني من أولئك الذين يصعب عليهم البكاء، وأن الدموع لم تعد تعرف الطريق إلى عينيّ. لكن الحياة فاجأتني مرتين، وفي المرتين لم يكن السبب فقدان إنسان عزيز أو كارثة شخصية، بل شيء أعمق من ذلك بكثير.
كانت المرة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية.
وصلت إلى مدينة أرلينغتون في ولاية تكساس، وبعد أشهر قليلة فقط من مغادرتي الناصرة، وجدت نفسي في عالم جديد لم أعتد عليه بعد. كنت ما أزال أحمل معي تفاصيل المدينة التي نشأت فيها؛ أسماء الشوارع، وأصوات الناس، والوجوه التي اعتدت رؤيتها كل يوم. لم أكن قد أدركت بعد معنى أن يبتعد الإنسان عن المكان الذي تشكلت فيه ذاكرته الأولى.
وفي الرابع من تموز، يوم الاستقلال الأمريكي، ذهبت مع بعض الأقارب والأصدقاء إلى إحدى ساحات الاحتفال الكبرى. كانت الأعلام الأمريكية ترفرف في كل مكان، والعائلات تملأ الساحات، والأطفال يرتدون ألوان العلم، فيما كان الجميع ينتظر الألعاب النارية وبداية الاحتفال.
وقبل أن يبدأ كل شيء، طُلب من الحاضرين الوقوف للنشيد الوطني، وقفت معهم.
بدأت الموسيقى، ثم بدأ آلاف الأشخاص بالغناء. رجال ونساء، شباب وكبار في السن، من أصول وخلفيات مختلفة، لكنهم كانوا جميعًا يرددون الكلمات نفسها بثقة وهدوء.
لم أكن أعرف كلمات النشيد، لذلك اكتفيت بالنظر إلى الوجوه.
رأيت في تلك الوجوه شيئًا لم أستطع تجاهله: شعورًا طبيعيًا بالانتماء. لم يكن أحد منهم يتساءل إن كان ينتمي أم لا. لم يكن أحد يبحث عن تعريف لهويته أو عن مكانه في القصة الوطنية. كانوا ببساطة جزءًا من تلك القصة.
أما أنا، فشعرت فجأة أنني أقف خارج المشهد.
وربما لهذا السبب تحديدًا انهمرت الدموع. لم تكن استجابة للنشيد الأمريكي بحد ذاته، ولم تكن إعجابًا بالاحتفال أو بالبلد. كانت استجابة لأول تجربة اغتراب حقيقية في حياتي. في اللحظة التي كنت أشاهد فيها آلاف الأشخاص يعبرون بثقة عن انتمائهم، كنت أنا أكتشف للمرة الأولى حجم المسافة التي أصبحت تفصلني عن المكان الذي جئت منه.
في تلك اللحظة لم أبكِ أمريكا، بل بكيت سؤالًا.
سؤالًا عن معنى الانتماء.
مرت السنوات، لكن ذلك المشهد بقي حيًا في الذاكرة.
ثم عاد إليّ الإحساس نفسه بصورة غير متوقعة وأنا أشاهد مباراة كرة قدم بين منتخب المكسيك ومنتخب جنوب أفريقيا. وقبل انطلاق المباراة وقف اللاعبون والجماهير للاستماع إلى النشيدين الوطنيين.
بالنسبة لمعظم المشاهدين كانت لحظة عابرة تسبق المباراة، أما بالنسبة لي فقد تحولت إلى لحظة تأمل طويلة.
كنت أسمع أكثر من مجرد كلمات ولحن.
كنت أسمع تاريخ شعبين. أسمع ذاكرة جماعية صنعتها أجيال متعاقبة من البشر، عاشت وانتصرت وهُزمت وحلمت وكافحت. كنت أرى كيف يمكن لبضع دقائق من الموسيقى أن تختصر قصة ملايين الناس. وعاد السؤال القديم.
ذلك الشعور الذي لا يشبه الحزن ولا الفرح.
شعور يشبه الحنين إلى شيء يصعب تعريفه.
ربما لأن كثيرين منا يعيشون داخل أكثر من دائرة انتماء، ويحملون أكثر من هوية وأكثر من رواية. وربما لأن الإنسان الذي يعيش في واقع مركب يصبح أكثر حساسية تجاه الأسئلة التي يعتبرها الآخرون بديهية.
بعد انتهاء المباراة بقي سؤال واحد يدور في ذهني:
ماذا لو حصلت يومًا على جنسية أخرى؟
ماذا لو أصبحت مواطنًا كامل الحقوق في بلد جديد، وعشت فيه سنوات طويلة؟
ثم وقفت ذات يوم في مناسبة رسمية وأنشدت النشيد الوطني لذلك البلد.
هل سأشعر بما يشعر به من وُلد هناك؟
هل تستطيع الجنسية أن تمنح الإنسان جذورًا جديدة؟
وهل يمكن للسنوات أن تخلق ذاكرة جماعية تضاهي ذاكرة الآباء والأجداد؟
فكرت في ملايين البشر الذين هاجروا عبر العالم. في الإيطالي الذي أصبح أمريكيًا، وفي الهندي الذي أصبح كنديًا، وفي العربي الذي بنى حياته في أستراليا أو ألمانيا أو السويد. كثيرون أحبوا أوطانهم الجديدة بصدق، وأسهموا في بنائها، ودافعوا عنها كما يدافع الإنسان عن بيته.
لكنني أتساءل أحيانًا: عندما يقفون للنشيد الوطني، هل يسمعون فقط النشيد الجديد؟ أم يسمعون أيضًا أصداء أناشيد قديمة ما زالت تعيش في الذاكرة؟ ربما لا توجد إجابة واحدة.
فالوطن ليس مجرد جواز سفر، والانتماء ليس مجرد وثيقة رسمية. هناك أشياء لا تُمنح بالقانون ولا تُكتسب بالتجنس وحده. أشياء تتشكل من قصص الجدات، ومن أسماء القرى والشوارع، ومن الذكريات التي ورثناها قبل أن نفهم معناها.
ومع ذلك، فإن الإنسان قادر أيضًا على أن يحب أكثر من وطن، وأن يحمل أكثر من هوية، وأن يجد بيتًا جديدًا دون أن يخون بيته الأول. لهذا لا أعرف كيف ستكون دموعي لو وقفت يومًا أمام نشيد وطن جديد أحمل جنسيته. لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
أن الدموع التي فاجأتني في أرلينغتون، ثم عادت لتفاجئني وأنا أستمع إلى نشيدي المكسيك وجنوب أفريقيا، لم تكن دموع ضعف.
كانت دموع سؤال، وسؤال الهوية والانتماء من تلك الأسئلة التي لا ترافق مرحلة من العمر، بل ترافق العمر كله.
فقد يحمل الإنسان أكثر من جواز سفر، وأكثر من لغة، وأكثر من عنوان، لكن قلبه يظل يبحث عن شيء آخر.
يبحث عن المكان الذي عندما يُعزف نشيده لا يشعر بالغربة، ولا بالحيرة، ولا بالحاجة إلى تفسير دموعه.
يبحث عن وطن يشعر فيه أن قصته الشخصية أصبحت جزءًا من قصة أكبر، وأنه لم يعد يقف خارج المشهد.
وطن يستطيع أن ينظر إليه بثقة وطمأنينة ويقول: هذا نحن.
من هنا وهناك
-
‘ تأملات في كتابة البنات عن الآباء والأمهات ‘ - بقلم: فراس حج محمد
-
‘بين سياسة الحرب وحرب السياسة‘ - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘ عقول حيرت العقول ‘ - بقلم : حيدر حسين سويري
-
‘إسطنبول… مدينة بين الأصالة والمعاصرة .. بين نداء المآذن وصدى البحر‘ - بقلم: دلير إبراهيم
-
‘الملف اللبناني: ترامب يساند إسرائيل ويضعف نتنياهو‘ - بقلم: أمير مخول
-
‘الامتداد الزمني في سردية النكبة‘ - بقلم: أسامة خليفة
-
‘سعيد نفاع… حين تتحوّل الذاكرة إلى شكلٍ من أشكال المقاومة‘ - بقلم: د. فاروق غانم خدّاج
-
ماذا يريد الشعب الإيراني؟: بقلم: عبدالرحمن کورکي (مهابادي)
-
د. يوسف جبارين يكتب: الفاشيّة أصبحت واقعًا سياسيًا والقائمة المشتركة بوسعها أن تهزمها
-
درجة ونصف: الدرع الخفي للكرة الأرضية!





أرسل خبرا