بين الوحدة والقيادة: ماذا تكشف أزمة القائمة المشتركة عن واقع المجتمع العربي؟
منذ أسابيع تتصدر اللقاءات السياسية العربية العناوين، ومع كل اجتماع جديد تتجدد الآمال بإقامة قائمة عربية موحدة تضم الجبهة والتجمع والعربية للتغيير والموحدة. وكان اجتماع الناصرة الأخير
منير قبطي - صورة شخصية
محطة إضافية في هذا المسار الطويل، حيث اجتمع ممثلو الأحزاب والقوى السياسية وشخصيات مجتمعية في محاولة جديدة للوصول إلى تفاهمات تعيد بناء إطار سياسي مشترك قبل الانتخابات القادمة.
في كل مرة تتكرر العبارات نفسها: المرحلة حساسة، المجتمع بحاجة إلى وحدة، نسبة التصويت يجب أن ترتفع، والتمثيل العربي يحتاج إلى التعزيز. لكن رغم ذلك، لا يزال الاتفاق بعيد المنال، ولا تزال المفاوضات تراوح مكانها بين التفاؤل الحذر وخيبة الأمل المتكررة.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثيرون في الشارع العربي: إذا كان الجميع مقتنعاً بضرورة الوحدة، فلماذا يصعب الوصول إليها؟
التفسير السهل هو الحديث عن توزيع المقاعد وترتيب الأسماء ورئاسة القائمة. لكن هذا التفسير، رغم وجوده، لا يشرح وحده عمق الأزمة. فالمشكلة الحقيقية أعمق من خلاف تنظيمي أو انتخابي، وهي مرتبطة بطبيعة المجتمع العربي نفسه وبطبيعة المشروع السياسي الذي يريد أن يحمله ممثلوه.
المجتمع العربي في إسرائيل ليس حالة يمكن مقارنتها بسهولة بأي أقلية أخرى في العالم. فهو ليس مجتمع مهاجرين يسعى للاندماج الكامل، وليس أقلية قومية تعيش في دولة متعددة القوميات قامت على شراكة متساوية بين مكوناتها. إنه مجتمع يحمل هوية قومية عربية فلسطينية، ويعيش في دولة تعرف نفسها كدولة يهودية، ويحاول في الوقت ذاته أن يدافع عن حقوقه المدنية واليومية وأن يحافظ على هويته الجماعية وأن يؤثر في النظام السياسي الذي يعيش داخله.
هذه الخصوصية أنتجت تعدداً حقيقياً في الرؤى السياسية داخل المجتمع العربي نفسه. فهناك من يرى أن المهمة الأساسية هي تحسين حياة المواطنين العرب من خلال التأثير المباشر على السياسات الحكومية وتحقيق إنجازات في قضايا السكن والتعليم والبنية التحتية ومحاربة الجريمة والعنف. وهناك من يرى أن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى في مركز العمل السياسي العربي، وأن أي نشاط سياسي يفقد معناه إذا انفصل عن البعد الوطني والقومي الأوسع.
ومن هنا ينشأ أحد أهم أسباب الخلافات التي لا يصرح عنها دائماً بصورة مباشرة. فبعض الأحزاب تنظر إلى نفسها باعتبارها حاملة لمشروع وطني فلسطيني بالدرجة الأولى، وترى أن الخلاف مع الحكومات الإسرائيلية ليس مرتبطاً فقط بكونها يمينية أو يسارية، بل بطبيعة السياسات المرتبطة بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. لذلك نجد أن هذه الأحزاب تصطدم في كثير من الأحيان مع الحكومات اليمينية واليسارية على حد سواء، لأنها ترى أن جوهر الخلاف أعمق من تغيير ائتلاف حكومي أو استبدال رئيس حكومة بآخر.
في المقابل، ترى أحزاب أخرى أن الجمهور العربي يواجه تحديات يومية لا يمكن تأجيلها بانتظار حلول القضايا الكبرى، وأن التأثير السياسي يقتضي التعامل مع الحكومات القائمة والسعي لانتزاع ميزانيات وحقوق وإنجازات عملية مهما كان لون الحكومة السياسي. وبالنسبة لهذا التوجه، فإن نجاح السياسة يقاس بما تحققه للناس في حياتهم اليومية، لا فقط بما ترفعه من شعارات أو مواقف.
هذا الاختلاف ليس تفصيلاً صغيراً يمكن تجاوزه بجلسة تفاوض إضافية أو بتوزيع أفضل للمقاعد. إنه اختلاف في تعريف وظيفة العمل السياسي نفسه. ولذلك فإن أي محاولة لإقامة قائمة موحدة لا تواجه فقط سؤال من يرأس القائمة، بل تواجه سؤالاً أكثر تعقيداً: ما هو المشروع السياسي الذي يفترض أن تتوحد حوله هذه الأحزاب؟
لكن حتى هذا الخلاف الفكري لا يفسر كل شيء. ففي عمق المشهد يقف سؤال آخر أكثر حساسية: من يقود المجتمع العربي؟ من هو العنوان السياسي الأول؟ من يتحدث باسم الشارع العربي أمام الحكومة ووسائل الإعلام والرأي العام؟ من يحدد الأولويات الوطنية والاجتماعية؟ ومن يملك الشرعية ليقول إنه يمثل الأغلبية؟
هذه الأسئلة لا تُطرح غالباً بشكل مباشر، لكنها حاضرة في خلفية كل جولة مفاوضات. فالصراع لا يدور فقط حول البرنامج السياسي، بل أيضاً حول المكانة والرمزية والقدرة على التأثير. وكلما اقتربت الأحزاب من الاتفاق على التفاصيل، عادت هذه الأسئلة إلى الواجهة وأعادت الخلافات إلى نقطة البداية.
والمفارقة أن المجتمع العربي نفسه يعيش حالة مشابهة. فنحن نطالب بالوحدة، لكننا نختلف على شكلها. نطالب بقيادة مشتركة، لكننا نريد أن تكون هذه القيادة أقرب إلى رؤيتنا نحن. ننتقد الانقسام، لكننا لا نمنح الشرعية بسهولة لمن يختلف معنا فكرياً أو سياسياً.
مع مرور السنوات، بدأ يتشكل واقع أكثر خطورة من الانقسام نفسه. فقد اعتدنا عليه. اعتدنا على جولات المفاوضات الطويلة، وعلى البيانات المتفائلة، وعلى فشل الاتفاقات، وعلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها كل عدة سنوات. وكأن المجتمع كله دخل في حالة من التعايش مع غياب المشروع السياسي الجامع. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالقضية لم تعد مجرد إقامة قائمة مشتركة أو عدم إقامتها. القضية هي قدرة المجتمع العربي على إنتاج نموذج سياسي جديد يتجاوز ثنائية الانقسام والوحدة الشكلية. نموذج يعترف بالتعددية الموجودة داخله، لكنه لا يحولها إلى سبب دائم للشلل. نموذج يفهم أن الاختلاف ليس خطراً بحد ذاته، بل يصبح خطراً عندما يتحول إلى صراع على الزعامة بدلاً من أن يكون حواراً حول الأولويات.
ربما لا يحتاج المجتمع العربي اليوم إلى زعيم جديد بقدر ما يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة. ثقافة تدرك أن القيادة ليست احتكاراً للصوت، بل قدرة على جمع الأصوات المختلفة. وأن الشراكة لا تعني الذوبان، كما أن الاختلاف لا يعني الانقسام. وأن قوة المجتمع لا تُقاس بعدد الأحزاب التي تتنافس داخله، بل بقدرته على تحويل هذا التنوع إلى تأثير سياسي حقيقي.
لذلك فإن السؤال الأهم الذي يخرج من اجتماعات الناصرة ليس ما إذا كانت الأحزاب ستنجح في إقامة قائمة موحدة أم لا. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الأحزاب، ومعها المجتمع كله، مستعدة للانتقال من معركة الزعامة إلى مشروع الشراكة.
لأن القضية أكبر من أي حزب، والمجتمع أكبر من أي زعيم، والمسؤولية الوطنية أكبر من أي حساب انتخابي، والمستقبل لا يُبنى بمن ينتصر في المفاوضات، بل بمن ينجح في بناء ثقة مشتركة تجعل الناس تؤمن من جديد أن السياسة يمكن أن تكون أداة للتغيير لا مجرد إدارة دائمة للأزمة.
وعندها فقط لن يكون نجاح القائمة المشتركة إنجازاً انتخابياً عابراً، بل مؤشراً على نضوج سياسي طال انتظاره، وعلى انتقال المجتمع العربي من البحث الدائم عن القائد إلى بناء شراكة قادرة على صناعة المستقبل. أما إذا بقيت معركة من يتصدر المشهد أقوى من السؤال عمّا يحتاجه الناس، فستبقى الأسماء تتغير، وستبقى الاجتماعات تتكرر، بينما يبقى الواقع على حاله.
هذا المقال وكل المقالات التي تنشر في موقع بانيت هي على مسؤولية كاتبيها ولا تمثل بالضرورة راي التحرير في موقع بانيت .
يمكنكم ارسال مقالاتكم مع صورة شخصية لنشرها الى العنوان: [email protected]
من هنا وهناك
-
‘سعيد نفاع… حين تتحوّل الذاكرة إلى شكلٍ من أشكال المقاومة‘ - بقلم: د. فاروق غانم خدّاج
-
ماذا يريد الشعب الإيراني؟: بقلم: عبدالرحمن کورکي (مهابادي)
-
د. يوسف جبارين يكتب: الفاشيّة أصبحت واقعًا سياسيًا والقائمة المشتركة بوسعها أن تهزمها
-
درجة ونصف: الدرع الخفي للكرة الأرضية!
-
‘ رأيٌ في اللُّغة‘ - بقلم: أيمن فضل عودة
-
الخيط الواصل بين ‘اتفاق‘ أميركا وإيران وبين انتخابات البرلمان في إسرائيل - بقلم: المحامي زكي كمال
-
‘بحنكة وذكاء الحوراني.. عمان الاهلية مرة أخرى في الصدارة أردنياً وفي المقدمة قارياً‘ - بقلم: حسن سعيد
-
‘درس الكرك اليوم.. فلنرمم السور.. لكن مَن يرمم جدار الثقة بيننا؟‘ - بقلم : عماد داود
-
‘الصحفيون في فلسطين بين محكمة بلا عدالة وحكومة بلا مصداقية‘ - بقلم: أسامة خليفة
-
‘هنا فقط يُباح الطلاق‘ - مقال بقلم: المحامية د. سيما صيرفي





أرسل خبرا