‘المسيحيون العرب في إسرائيل: قراءة هادئة في هوية تبحث عن شراكة عادلة‘ - بقلم : منير قبطي
في الوقت الذي تستغرق فيه الأحزاب العربية، ومعها جمهور واسع، في محاولات لا تنتهي لإعادة بناء إطار انتخابي موحّد يضمن أكبر عدد من المقاعد في الكنيست، وجدت نفسي أنظر إلى صورة أخرى يجري تجاهلها باستمرار.
منير قبطي - صورة شخصية
فكّرت في الأقلية المسيحية، والتي تبدو وكأنها تعيش دائمًا في الهامش الهادئ، وتؤدي دورًا صامتًا ومتزنًا، تسير بين القطرات دون ضجيج أو صدام، وتحاول أن تحافظ على حضورها المتوازن وسط مشهد سياسي واجتماعي مشحون بالاستقطابات. هذا الحضور الهادئ ليس انعزالًا أو ترددًا، بل انعكاس لتاريخ طويل من تجارب التعايش الحذر وتجنّب الصدام مع محيط يعيش تقلبًا سياسيًا دائمًا.
لكن خلف هذا الهدوء تمتد أزمة هوية أعمق بكثير من حدود السياسة. فالمسيحيون العرب في إسرائيل هم أقلية داخل أقلية، موزعون بين طوائف متعددة وبلدات متباعدة، وفي الوقت نفسه جزء من مجتمع عربي يعاني بدوره إشكالية هوية معقّدة، هوية تتحرك بين واقع المواطنة الرسمية التي تبقى ناقصة، وبين رواية قومية وثقافية لا تجد ترجمة ثابتة في الحقل السياسي. وسط هذا التوتر المزدوج، يجد المسيحي نفسه أمام أسئلة لم تُطرح عليه بوضوح: أين يقف؟ ومن يمثله؟ وهل تتسع الأطر القائمة لتعقيدات هويته؟
يزداد المشهد تشابكًا حين ندرك أن شريحة واسعة من المسيحيين تحمل توجهًا علمانيًا واضحًا، لا تنظر إلى الكنيسة باعتبارها مرجعية سياسية. كثيرون منهم يظهرون في المناسبات الدينية والاجتماعية كجزء من ثقافتهم ومن نسيجهم التاريخي، لا كدليل على انتماء سياسي. بالنسبة لهذه الفئة، الهوية المدنية تتقدم على الهوية الطائفية، والانتماء الحزبي يتم وفق منظومة قيم عامة لا وفق إطار ديني أو مذهبي. وهذا يجعل إمكانية تأسيس حزب مسيحي أو إطار سياسي طائفي أمرًا يصطدم بالواقع الفكري قبل أن يصطدم بالواقع الديمغرافي.
وخلال ذلك كله، تتشكل نظرة الأطراف الأخرى إلى المسيحيين بطريقة ليست عدائية ولا متوترة، لكنها ليست مستقيمة دائمًا. هناك من يعاملهم كشريك طبيعي وهادئ، وهناك من يراهم مكوّنًا صغيرًا لا يغيّر المعادلات، وهناك من يمنحهم مساحة رمزية أكثر من مساحة فعلية. هذا النوع من التعامل يخلق حضورًا متذبذبًا، حضورًا يُستدعى عند الحاجة ويغيب عند الحسابات الكبيرة، مما يضع المسيحيين في مساحة انتقالية لا تُعرّفهم تمامًا ولا تُقصيهم تمامًا.
أما في المجتمع العربي نفسه، فالعلاقة تحكمها مئات السنين من التعايش، لكنها لا تخلو من مسافة صامتة لا يتحدث عنها أحد. مسافة خفيفة، غير جارحة، لكنها موجودة بما يكفي ليشعر بعض المسيحيين بأن دورهم يُفضّل أن يظل في منطقة الحذر، وأنّ الصوت المرتفع قد يُفسر خطأ أو يُستقبل بقلق. هذه المسافة، حتى لو لم تكن مقصودة، تجعل كثيرين يختارون الصمت أو المشي على الحافة بدل الانخراط الكامل في النقاشات الحزبية الحادة.
وهنا يظهر الرابط العميق بين الهوية والسياسة اليومية. فاختيارات المسيحي ليست مجرد موقف انتخابي، بل تعبير مباشر عن كيفية فهمه لذاته في هذا البلد. الهوية الموزّعة بين الانتماء العربي الثقافي، والمواطنة المدنية، والخصوصية الدينية، تترجم نفسها في تفاصيل صغيرة: أين يضع الشخص صوته؟ كيف يشرح انتماءه لأبنائه؟ أين يعمل؟ أين يرسل أولاده للدراسة؟ ما هي اللغة التي يفضّل استخدامها في الفضاء العام؟ وحتى كيف يبني علاقته مع مؤسسات الدولة أو مع محيطه العربي. السياسة هنا ليست أحزابًا وتحالفات، بل تفاصيل حياة يومية ترسم خطًا فاصلًا بين الشعور بأنك جزء طبيعي من المشهد وبين الشعور بأنك تمرّ في داخله بحذر مدروس. هذا النوع من الهوية المركّبة يخلق سياسة مركّبة بالضرورة، سياسة لا تقاس بالضجيج بل بالقدرة على المحافظة على التوازن بين الانتماءات دون الانزلاق إلى فقدان أحدها.
ومع كل هذه الطبقات المتداخلة، يصبح السؤال الحقيقي: هل قُدّر للمسيحيين أن يبقوا في موقع الشريك الصامت؟ أم أن اللحظة تتطلب حضورًا أوضح، وصوتًا أكثر ثقة، وتعريفًا للذات لا يخشى من سوء الفهم؟ ليس في رفع الصوت أي تهجم أو تحدٍّ، بل هو تعبير طبيعي عن رغبة مجتمع صغير في أن يكون شريكًا كاملًا في مستقبل المكان الذي يعيش فيه. فمجتمع يمتلك هذا الرصيد من التعليم، والانفتاح، والتجربة التاريخية، لا يمكن أن يبقى على الهامش إلى الأبد.
القضية ليست في أن يكون للمسيحيين حزب خاص، ولا أن يلتفوا حول طائفة أو إطار ديني. القضية في استعادة شعور كامل بالشراكة، وفي القدرة على الجلوس إلى الطاولة السياسية بقلب مفتوح، دون خوف ودون اعتذار. نحن جزء من هذا المكان، نحمل تاريخه ومصيره في آن واحد، ومن الطبيعي أن نتقدم خطوة نحو الحضور الفعلي، لا أن نستمر إلى ما لا نهاية في المشي بين القطرات.
من هنا وهناك
-
‘الشخير الحاد وانقطاع التنفس الانسدادي‘ - بقلم : د. ناصر عزمي الخياط
-
القيادة الحقيقية.. ثقة ووضوح ودالة متجانسة صاعدة، لا تعرف اللون الرمادي ولا العيش في ‘الظل‘
-
‘العنف… حين يختنق المجتمع بصمته ومسؤوليتنا أن نعيد للناس حقهم في الأمان‘ - بقلم: رانية مرجية
-
عمر عقول من الناصرة يكتب: الى اين انتم ماضون بنا؟
-
مقال: ميزانية اسرائيل 2026.. اسرائيل تنتقل من الليبرالية العلمانية الى الدكتاتورية التلمودية! - بقلم: د. سهيل دياب
-
مقال: عملية ‘الأحجار الخمسة‘: دلالات العدوان على طوباس كمقدمة لإعادة تشكيل الضفة الغربية - بقلم : د. عمر رحال
-
‘ بين الواقعية السياسية ووحدة الموقف: اختبار الإرادة الفلسطينية ‘ - بقلم: محمد علوش
-
‘التهجير الصامت : الاحتلال يبتكر أساليب جديدة لتهجير الغزيين‘ - بقلم: د. حسين الديك
-
مقال: بين السلاح وإعادة الإعمار: الغزيون يطالبون بالحياة أولاً - بقلم: الصحافية لارا احمد
-
‘الاستشراق الرقمي: كيف تصنع وسائل الإعلام الغربية شرقاً جديداً ؟‘ بقلم: الدكتور حسن العاصي





أرسل خبرا